عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
67
معارج التفكر ودقائق التدبر
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ . ( 47 ) إنّ الخصلة الخالصة من الشّوائب الّتي اصطفاهم اللّه بها ، فجعلهم بها من المصطفين الأخيار ، هي أنّ ساحة تذكّرهم مشغولة دواما بالدّار الآخرة ، وبما يبلّغهم فيها أعظم سعادة من رضوان اللّه عزّ وجلّ ، ويجعلهم في الفردوس الأعلى من جنّته العظمى . ولهذا جاء في القرآن المجيد التّوجيه بعناية فائقة للذّكر والتّذكّر والتّذكير . يضاف إلى ما سبق بيانه ، أنّ للقضايا الاعتقاديّة عند إحضارها في ساحة التّصوّر الحاضر ، ومراكز التذكّر ، ردود أفعال في النفس ملائمة لها ، ومساوية لها في مقدارها شدّة وضعفا ، وذلك عند سلامة الفطرة النفسيّة وأجهزتها ، وسلامة التصوّرات من العوارض المشوّشة المفسدة ، أو الصّادة لها ، الواقعة في طريقها تمنعها من النّفوذ إلى داخل النفس ، أو المخدّرة لها ، إذ تشلّها عن الحركة والتّأثير ، فتغدو تصوّرات اعتقاديّة كميّتة في قلوب أصحابها بالشّلل الذي أصابها ، فهي حينئذ قد ترى ولا تتحرّك ، وقد تعي ولا تفعل شيئا ، فلا بدّ لها من علاج في كلّ هذه الأحوال غير الطبيعية . أمّا في الحالة الطبيعيّة السّليمة فلكلّ تصوّر اعتقاديّ ردّ فعل نفسيّ ملائم له ، ومساو له في مقداره ، أو زائد عليه من شحنة ذاتيّة تنطلق من نفس الإنسان . وفي بيان تأثير ذكر اللّه وذكر وتذكّر آياته المنزّلات ، في توجيه السّلوك الدينيّ والدّفع إليه ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأعلى / 87 مصحف / 8 نزول ) : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 )